منتديات غربة

منتديات غربة


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  
أهلاً وسهلاً بكم اعضاء وزوار ومشرفين وادارين في منتديات غربة ،منوّر المنتدى البيت بيتك وانشاء الله تجدون كل ما هو ممتع ومفيد*~*كل ما يجول في خاطركم هنا في منتدى غربة   التفاعلي.. أقترحاتكم.. طلباتكم.. صداقاتكم.. أفكاركم.. فأهلا بكم*~~~   

شاطر | 
 

 تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
e3nane
المــــديـــــر الـــــــعـــــام
المــــديـــــر الـــــــعـــــام
avatar

عدد المساهمات : 21049
النقاط : 25172
تاريخ التسجيل : 06/01/2010
العمر : 34
الموقع : شيكاغو chicago
نشاط العضو :
100 / 100100 / 100

الاوســـــمة : وســــــام التميز

مُساهمةموضوع: تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج    2010-09-22, 15:37

[size=16]تفسير آيات الحج من سورة البقرة



الحمد لله القائل: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً سورة آل عمران(97).
والصلاة والسلام على رسوله القائل: (خذوا عني مناسككم)1. وعلى آله وصحبه الغر الأوائل،
وعلى التابعين بهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الله -سبحانه وتعالى- قد أوجب على من كان مستطيعاً من
عباده حج بيته الحرام، والوقوف بعرفات مع جميع الأنام،
والسعي والطواف بين الركن والمقام، وقد بين لهم في كتابه وسنة رسوله صفة الحج وكيفيته.

وسنتناول في هذه الموضوع تفسير الآيات من سورة البقرة
التي تتحدث عن الحج ومناسكه ومتعلقاته على وجه الخفة والسرعة
والاختصار على شاكلة أهل التفسير في بيان الآيات.

بعد أن بين -سبحانه وتعالى- ما يتعلق بالركن الرابع من أركان الإسلام،
وهو ركن الصيام، وأردف بذكر فريضة الجهاد في سبيله؛ ذكر الحج وأحكامه؛
فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... الآيات..



إتمام الحج والعمرة:

يقول تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
أي ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد،
وكذلك صفة الحج والعمرة أن تكون موافقة تمام الموافقة
لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم به.
واللام في قوله تعالى: لله يفيد الإخلاص؛
يعني مخلصين لله -عز وجل- ممتثلين لأمره.

وقد استدل العلماء بقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
على عدة أمور:

أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما.

الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها
فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وقوله: (خذوا عني مناسككم)2.

الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة.

الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلا.

الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.

السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله –تعالى-.

السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما،
إلا بما استثناه الله، وهو الحصر؛ كما سيأتي بيانه.



بماذا يتحلل من منع عن أداء فريضة الحج أو العمرة؟:

يقول تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
أي منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع.

ثم بين بماذا يتحلل من أحصر؟ وماذا عليه أن يفعل إذا أحصر؟
فقال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي إذا أحصرتم فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سُبُع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر،
ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي،
فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.

كما أنه يجب على من أحصر أن لا يتحلل بحلق رأسه أو ما أشبه ذلك حتى يهدي؛ لقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وهذا من محظورات الإحرام،
إزالة الشعر، بحلق أو غيره؛ لأن المعنى واحد من الرأس،
أو من البدن،
لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته،
وهو موجود في بقية الشعر.

وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه،
ويستمر المنع مما ذكر حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر،
والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر؛ كما تدل عليه الآية.



ارتكاب بعض المحظورات للضرورة:

قوله: فمن كان منكم مريضاً
أي واحتاج إلى حلق الرأس؛ أو به أذًى من رأسه وهو صحيح،
كما لو كان الرأس محلاً للأذى، والقمل، وما أشبه ذلك؛ ففدية
أي فعليه فدية يفدي بها نفسه من العذاب من صيام أو صدقة أو نسك؛ أو هنا للتخيير؛ وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم-
أن "الصيام" ثلاثة أيام،
وأن "الصدقة" إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع3؛
وأما "النسك" فهو ذبح شاة؛ لحديث عبد الله بن معقل قال:
جلست إلى كعب بن عُجرة -رضي الله عنه- فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيّ خاصة
وهي لكم عامة، حملت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (
ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى
) أو (ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاة؟). فقلت: لا، فقال: (فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين،
لكل مسكين نصف صاع
)4.



المتمتع يلزمه الهدي:

قال تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ أي بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره،
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
أي فعليه ما تيسر من الهدي،
وهو ما يجزئ في أضحية،
وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة،
ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة،
وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له.

ويدل مفهوم الآية على أن المفرد للحج ليس عليه هدي،
ودلت الآية على جواز بل فضيلة المتعة، وعلى جواز فعلها في أشهر الحج.



ماذا على من لم يجد الهدي؟:

قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي الهدي أو ثمنه فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر،
أيام رمي الجمار، والمبيت بـ "منى" ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع،
والثامن، والتاسع، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ أي فرغتم من أعمال الحج فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله.

قوله: ذَلِكَ المذكور من وجوب الهدي على المتمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بأن كان عند مسافة قصر فأكثر،
أو بعيدا عنه عرفات، فهذا الذي يجب عليه الهدي،
لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك.



تقوى الله:

ثم ختم الله الآية بالأمر بتقواه؛ فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في جميع أموركم،
بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات،
واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية.

ثم حذرهم من عقابه؛ فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ أي لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى،
فإن من خاف عقاب الله انكف عما يوجب العقاب،
كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب،
وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم،
وتجرأ على ترك الواجبات.



أشهر الحج (مواقيت الحج الزمانية):

يقول تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ؛ يخبر تعالى أن الْحَجَّ واقع في أشهر معلومات عند المخاطبين، مشهورات، بحيث لا تحتاج إلى تخصيص،
كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس.

وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم.

والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: "شوال، وذو القعدة،
وعشر من ذي الحجة"، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالباً.



الحج مدرسة للتربية على الأخلاق الفاضلة:

قوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أي أحرم به؛
لأن الشروع فيه يصيره فرضاً، ولو كان نفلاً.

وقوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ أي يجب أن تعظموا الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره،
وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه، من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن.

والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام.
والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة.

والمقصود من الحج، الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات،
والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورا والمبرور،
ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان،
فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج.

ثم قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ أتى بـ مِن لتنصيص على العموم،
فكل خير وقربة وعبادة، داخل في ذلك، أي فإن الله به عليم،
وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير، وخصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة،
فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها، من صلاة، وصيام، وصدقة، وطواف، وإحسان قولي وفعلي.



خير الزاد التقوى:

قوله: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين،
والكف عن أموالهم، سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع.

وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدا،
ومن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر،
وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى.

ثم أمر بها أولي الألباب، فقال: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ أي يا أهل العقول الرزينة، اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول،
وتركها دليل على الجهل، وفساد الرأي.



لا منافاة بين الحج وبين ابتغاء الرزق في الحج:

قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ؛
لما أمر تعالى بالتقوى أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج
وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج،
وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله، لا منسوبا إلى حذق العبد،
والوقوف مع السبب، ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه.



أعمال ما بعد عرفة:

قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات الإِفاضة من عرفات تكون بعد الوقوف بعرفة يوم الحج وذلك بعد غروب الشمس من يوم التاسع من شهر الحجة.

فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي باللسان، والقلب، والجوارح؛
فيشمل كل ما فعل عند المشعر من عبادة؛ ومن ذلك صلاة المغرب، والعشاء، والفجر.

والمقصود بـ: المشعر الحرام مزدلفة.

وفي هذه الآية دلالة على عدة أمور:

أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج،
فالإفاضة من عرفات، لا تكون إلا بعد الوقوف.

الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام، وهو المزدلفة،
وذلك أيضاً معروف، يكون ليلة النحر بائتاً بها، وبعد صلاة الفجر،
يقف في المزدلفة داعيا، حتى يسفر جدا، ويدخل في ذكر الله عنده،
إيقاع الفرائض والنوافل فيه.

الثالث: أن الوقوف بمزدلفة، متأخر عن الوقوف بعرفة،
كما تدل عليه الفاء والترتيب.

الرابع، والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها.

السادس: أن مزدلفة في الحرم، كما قيده بالحرام.

السابع: أن عرفة في الحل، كما هو مفهوم التقييد بـ "مزدلفة ".

ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ أي اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال،
وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم،
التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان.



الإفاضة من عرفة:

قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا أي من عرفات.

وقوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أي من المكان الذي يفيض الناس منه؛
وكانت قريش في الجاهلية لا يقفون مع الناس في عرفة
-يقولون: نحن أهل الحرم فلا نقف خارج الحرم-؛
فأُمر المسلمون أن يفيضوا من حيث أفاض الناس -أي من عرفة-؛ هذا هو ظاهر الآية الكريمة.



الحث على الاستغفار في نهاية كل عمل:

قوله تعالى: واستغفروا الله أي اطلبوا المغفرة منه؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي
يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية.

قوله تعالى: إن الله غفور رحيم؛ هذه الجملة تعليل للأمر؛ أي استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر؛
فإنه -سبحانه وتعالى- غفور رحيم.



وفي هذه الآية الحث على الاستغفار، قال ابن سعدي -رحمه الله-:
"وهكذا ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير،
ويشكره على التوفيق،
لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنَّ بها على ربه،
وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت،
ورد الفعل، كما أن الأول،

حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر".هكذا علمنا النبي-صلى الله عليه وسلم- أن نستغفر الله في عقب كل صلاة مفروضة، وهكذا..
فعلى المسلم أن يحرص على الاستغفار في نهاية كل عمل.



ذكر الله في كل مكان وزمان:

قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم أي أنهيتم مناسككم؛ وذلك بالتحلل من النسك.

قوله تعالى: فاذكروا الله أمر تعالى بذكره بعد فراغ النسك؛ لأن الإنسان إذا فرغ من العبادة قد يغفل عن ذكر الله.

قوله: كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ؛
أي كما تذكرون آباءكم، أو أشد ذكراً؛
وأشد يشمل الشدة في الهيئة، وحضور القلب، والإخلاص؛
والشدةَ في الكثرة أيضاً؛ فيذكر الله ذكراً كثيراً،
ويذكره ذكراً قوياً مع حضور القلب.

وقوله: كذكركم آباءكم ؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذكرون أمجاد آبائهم إذا انتهوا من المناسك؛ وكل يفخر بنسبه،
وحسبه؛ فأمر الله تعالى أن نذكره -سبحانه وتعالى- كذكرهم آباءهم،
أو أشد ذكراً.
وقوله: أو أشد ذكراً قال كثير من النحويين: إن أو بمعنى: بل أي بل أشد وهو هنا متوجِّه؛
ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون سورة الصافات(147)؛
وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى:
أو يزيدون
أن أو هنا ليست بمعنى "بل"؛
ولكنها لتحقيق ما سبق -يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛
وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم -
إن لم يزد فلا ينقص-؛
إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى "بل" تكون أبلغ؛
لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء.



مطالب الناس تتفق، ومقاصدهم تختلف:

لقد أخبرنا الله –تعالى- عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم،
ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف؛ فمنهم: مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
أي يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته،
وليس له في الآخرة من نصيب، لرغبته عنها،
وقصر همته على الدنيا.

ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه،
وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم،
وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم، وهماتهم ونياتهم،
جزاء دائرا بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه،
وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع، مسلما أو كافرا،
أو فاسقا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه، دليلا على محبته له وقربه منه،
إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين.



الحسنة المطلوبة في الدنيا والحسنة المطلوبة في الآخرة:

الحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد،
من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة،
وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة.

وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار،
وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم،
والقرب من الرب الرحيم،
فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار،
ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الدعاء به، والحث عليه5.



جزاء من دعا بهذا الدعاء:

يقول تعالى: أولئك الداعون بهذا الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب
مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها.



أيام منى (التشريق):

قوله: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ؛ يأمر تعالى كذلك بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد،
لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافاً لله فيها،
ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله)6.

ويدخل في ذكر الله فيها: ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق، كالعشر،
وليس ببعيد.

قوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أي خرج من "منى" ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ؛
وهذا تخفيف من الله –تعالى- على عباده، في إباحة كلا الأمرين،
ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخر أفضل، لأنه أكثر عبادة.



ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: لِمَنِ اتَّقَى أي اتقى الله في جميع أموره، وأحوال الحج،
فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء،
ومن اتقاه في شيء دون شيء، كان الجزاء من جنس العمل.

ثم ختم الله آيات الحج بالحث على تقواه؛ فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره واجتناب معاصيه،
وما أكثر ما يأمر الله -سبحانه وتعالى- بالتقوى في كتابه العزيز؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله -عزّ وجلّ- بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.



اتقوه؛ لأنكم إليه صائرون، لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه، وجد جزاء التقوى عنده،
ومن لم يتقه عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله،
فلهذا حث تعالى على العلم بذلك7.
والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


[/size]






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://beitananusa.ahlamontada.net
e3nane
المــــديـــــر الـــــــعـــــام
المــــديـــــر الـــــــعـــــام
avatar

عدد المساهمات : 21049
النقاط : 25172
تاريخ التسجيل : 06/01/2010
العمر : 34
الموقع : شيكاغو chicago
نشاط العضو :
100 / 100100 / 100

الاوســـــمة : وســــــام التميز

مُساهمةموضوع: رد: تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج    2010-09-22, 15:37

تفسير آيات الحج من سورة الحج

وجوب تطهير البيت الحرام من الشرك والمعاصي والقذر:

يذكر تعالى في سورة الحج عظمة البيت الحرام وجلالته وعظمة بانيه،
وهو خليل الرحمن، فقال: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} أي هيأناه له، وأنزلناه إياه،
وجعل قسماً من ذريته من سكانه، وأمره الله ببنيانه، فبناه على تقوى الله،
وأسسه على طاعة الله، وبناه هو وابنه إسماعيل،
وأمره أن لا يشرك به شيئا، بأن يخلص لله أعماله، ويبنيه على اسم الله.
وقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} أي من الشرك والمعاصي، ومن الأنجاس والأدناس،
وأضافه الرحمن إلى نفسه، لشرفه، وفضله، ولتعظم محبته في القلوب،
وتنصب إليه الأفئدة من كل جانب، وليكون أعظم لتطهيره وتعظيمه،
لكونه بيت الرب للطائفين به والعاكفين عنده،
المقيمين لعبادة من العبادات من ذكر، وقراءة، وتعلم علم وتعليمه،
وغير ذلك من أنواع القرب، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي المصلين، أي طهره لهؤلاء الفضلاء،
الذين همهم طاعة مولاهم وخدمته، والتقرب إليه عند بيته،
فهؤلاء لهم الحق، ولهم الإكرام، ومن إكرامهم تطهير البيت لأجلهم،
ويدخل في تطهيره، تطهيره من الأصوات اللاغية والمرتفعة التي تشوش المتعبدين، بالصلاة والطواف، وقدم الطواف على الاعتكاف والصلاة،
لاختصاصه بهذا البيت، ثم الاعتكاف، لاختصاصه بجنس المساجد.

الإعلام بالحج:

ثم أمر الله خليله بأن يعلم الناس بالحج،
وأن يعلم قاصيهم ودانيهم بفريضته وبفضله، فقال الله تعالى له: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي ناد في الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه؛
فَذُكر أنه قال: "يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟"؛
فقيل: "ناد وعلينا البلاغ". فقام على مقامه، وقيل: على الحجر،
وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قُبَيس، وقال: "يا أيها الناس،
إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه"، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب،
وأجابه كل شيء سمعه من حَجَر ومَدَر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك".
أحوال الناس في المجيء إلى الحج:

قوله تعالى: {يأتوك رجالاً} فإنك إذا ما دعوتهم إلى الحج استجابوا لك فأتوك حجاجا وعمارا؛ حال بعضهم أنه أتى ماشياً على رجله لفرط شوقه لبيت الله العتيق، واستجابة لنداء الله.

وليس فقط سيأتونك مشاة على أرجلهم، وإنما سيأتونك: {عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي ناقة ضامر،
تقطع المهامه والمفاوز، وتواصل السير، حتى تأتي إلى أشرف الأماكن.

قال ابن كثير: "قد يَستدلّ بهذه الآية من ذهب من العلماء
إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضلُ من الحج راكبا؛ لأنه قدمهم في الذكر،
فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم،
والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبا أفضل؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبا مع كمال قوته -عليه السلام-".

بل إن تكلف الحج ماشيا مع وجود وسائل الركوب والراحة
هذا نوع من التعنت الذي رفعه الله عن هذه الأمة فمن
فعله بعدما يسر الله من وسائل النقل والركوب السريع فكأنما رد نعم الله عليه،
ومن هذا القبيل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نذرت الحج ماشية أن تركب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أخت عقبة بن عامر رضي الله عنهم
نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن الله لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة".
رواه أبو داود والدارمي وفي رواية لأبي داود:
فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هديا وفي رواية له: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب ولتحج وتكفر يمينها".

وقد قال تعالى: {يأتوك}؛ وهم لم يأتوا الكعبة؛ لأن المنادى إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم؛
لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف إبراهيم.

ومع أنهم يأتون مشاة وركباناً، فإنهم يأتون كذلك أفواجاً وجماعات،
ومن أماكن بعيدة: {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي من كل بلد بعيد.



وقد فعل الخليل -عليه السلام-، ثم من بعده ابنه محمد -
صلى الله عليه وسلم-، فدعيا الناس إلى حج هذا البيت،
وأبديا في ذلك وأعادا، وقد حصل ما وعد الله به، أتاه الناس رجالا وركبانا
من مشارق الأرض ومغاربها.

وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}
سورة إبراهيم(37) فليس أحد من أهل الإسلام
إلا وهو يحنّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.


قف بالأباطح تسري في مشارفها *** مواكب النور هامت بالتقى شغفا

من كل فــج أتت لله طائعـة *** أفواجها ترتجـي عفو الكريم عفا

صوب الحطيم خطت أو المقام مشت *** مثل الحمائم سربا بالحمى اعتكفا


بعض فوائد زيارة بيت الله الحرام الدينية والدنيوية:

لقد ذكر -سبحانه- فوائد زيارة بيت الله الحرام، مرغبا فيه؛ فقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} أي لينالوا ببيت الله منافع دينية، من العبادات الفاضلة،
والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية، من التكسب، وحصول الأرباح الدنيوية.
قال ابن عباس في قوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} "منافع الدنيا والآخرة؛
أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدْن والربح والتجارات".

وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} سورة البقرة (198).
أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج، إذا ابتغى ربحاً بتجارة في أيام الحج،
إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه.

أما حصول المنافع الدنيوية لمن شهد الحج، فهذا أمر مشاهد،
والكل يعرفه ويقر به. وغير ذلك من فوائد زيارة بيت الله الحرام
الدينية والدنيوية التي سيأتي الإشارة إليها في سياق الآيات.

بعض ما يجب وما يستحب للحاج أن يفعله:

يجب على الحجاج إذا ما نحر الهدي، أو ذبح الأضاحي، أو ما أشبه ذلك من النذور والذبائح أن يذكر اسم الله؛ لقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} المراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام:
التسمية عند نحر الهدايا والضحايا.
كما أن التسمية واجبة على جميع من أراد أن يضحي أو يذبح ذبيحة سواء كان حاجاً أو غير حاج.

كما أنه ينبغي له ولغيره أن يكثروا من ذكر الله –تعالى-: {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}؛
قال ابن عباس: "الأيام المعلومات: أيام العشر". وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به.



قوله: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ} المقصود ببهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم.
وهذا من المنافع الدينية والدنيوية: ذكر الله وشكره على ما من به عليهم من بهيمة الإنعام.

كما يستحب للحاج في أضحيته، وكذلك غير الحاج أن يأكل منها، وأن يتصدق، وأن يهدي منها؛ لقوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضحية،
وليس فيها دليل لما ذهبوا إليه،
والذي عليه الأكثرون أن هذا من باب الرخصة، والإباحة،
وهذا الأسلوب له نظائر وشواهد في القرآن؛ فعن مجاهد في قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا} هي كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}
سورة المائدة(2)، وكقوله:

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ}
سورة الجمعة(10).
وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره،
واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف بقوله في هذه الآية: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}؛
فجزأها نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء.
وهناك قول آخر وهو: أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له،
وثلث يهديه، وثلث يتصدق به؛ لقوله في الآية الأخرى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}
سورة الحج(36).
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للناس: (
إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث،
فكلوا وادخروا ما بدا لكم
)1. وفي رواية: (فكلوا وادخروا وتصدقوا).
وفي رواية: (فكلوا وأطعموا وتصدقوا)2.

والمقصود بقوله: {الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} أي شديد الفقر.

كما أنه يجب على الحاج أن يتم مناسك حجه؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} أي ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقى عليهم من أمر الحج ومن المناسك؛ كالحلق ورمي الجمار ونحوه.

كما يجب عليه أيضاً أن يوفي بنذره ما لم يكن معصية، لقوله: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} التي أوجبوها على أنفسهم،
من الحج، والعمرة والهدايا، وما إلى ذلك مما فيه طاعة لله،
وأما ما فيه معصية لله فلا وفاء به؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا وفاء لنذر في معصية الله)3.
ولقوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)4.
كما يجب عليه أيضاً أن يطوف طواف الإفاضة،
بل إن ذلك ركن من أركان الحج؛ لقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة.

وللفائدة فإن في الحج ثلاثة أطواف: "طواف القدوم، وطواف الإفاضة،
وطواف الوداع". فطواف القدوم حكمه أنه سنة،
وطواف الإضافة ركن من أركان الحج، وهو المقصود هنا في هذه الآية،
وطواف الوداع واجب من واجبات الحج.

ومعنى: {العتيق} أي القديم،
وهو أفضل المساجد على الإطلاق كما هو معلوم5.


حرمات الله:

قوله: {ذَلِكَ} الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام،

{وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}
؛ لأن تعظيم حرمات الله من الأمور المحبوبة لله،
المقربة إليه، التي من عظمها وأجلها، أثابه الله ثوابا جزيلا
وكانت خيرا له في دينه، ودنياه وأخراه عند ربه.

وحرمات الله: كل ماله حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها،
كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا،
وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها إجلالها بالقلب،
ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل.

ثم ذكر منته وإحسانه بما أحله لعباده من بهيمة الأنعام، حيث قال: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ} من إبل وبقر وغنم، وشرعها من جملة المناسك التي يتقرب بها إليه، فعظمت منته فيها من الوجهين.

قوله: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} في القرآن تحريمه في مثل قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} سورة المائدة(3).



ولكن الذي من رحمته بعباده أن حرمه عليهم ومنعهم منه تزكية لهم، وتطهيرا من الشرك به وقول الزور، ولهذا قال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ} أي الخبث القذر {مِنَ الْأَوْثَانِ} أي الأنداد، التي جعلتموها آلهة مع الله، فإنها أكبر أنواع الرجس،
والظاهر أن {من} هنا ليست لبيان الجنس، كما قاله كثير من المفسرين،
وإنما هي للتبعيض، وأن الرجس عام في جميع المنهيات المحرمات،
فيكون منهيا عنها عموما، وعن الأوثان التي هي بعضها خصوصا، {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} أي جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب،
ومن ذلك شهادة الزور.


التحذير من الشرك:

أمر الله بأن نكون: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ} أي مقبلين عليه وعلى عبادته، معرضين عما سواه.

وقوله: {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ}
فمثله

{فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ}
أي سقط منها {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ}
بسرعة {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي بعيد، كذلك المشرك،
فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة.

ومن ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء،
عرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء،
كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين من كل جانب،
ومزقوه، وأذهبوا عليه دينه ودنياه.

تعظيم شعائر الله:

قوله:{ذَلِكَ} أي ذلك الذي ذكرنا لكم من تعظيم حرماته وشعائره، والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة،
ومنها المناسك كلها؛
كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ومنها الهدايا والقربان للبيت،
وتقدم أن معنى تعظيمها، إجلالها، والقيام بها،
وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها، باستحسانها واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه،
فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب،
فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه،
لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله.
وقوله: {لَكُمْ فِيهَا} أي في الهدايا {مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}
هذا في الهدايا المسوقة من البدن ونحوها،
ينتفع بها أربابها، بالركوب، والحلب ونحو ذلك، مما لا يضرها

{إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}
مقدر موقت،
وهو ذبحها إذا وصلت مَحِلُّهَا وهو الْبَيْتِ الْعَتِيقِ،
أي: الحرم كله "منى" وغيرها، فإذا ذبحت، أكلوا منها وأهدوا،
وأطعموا البائس الفقير.
تعدد الشرائع واتحاد الأصل:

قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} أي ولكل أمة من الأمم السالفة

{جَعَلْنَا مَنْسَكًا}
أي: فاستبقوا إلى الخيرات وتسارعوا إليها،
ولننظر أيكم أحسن عملا والحكمة في جعل الله لكل أمة منسكا، لإقامة ذكره،
والالتفات لشكره، ولهذا قال:

{لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}

وإن اختلفت أجناس الشرائع، فكلها متفقة على هذا الأصل،
وهو ألوهية الله، وإفراده بالعبودية، وترك الشرك به ولهذا قال: {فَلَهُ أَسْلِمُوا}
أي انقادوا واستسلموا له لا لغيره،
فإن الإسلام له طريق إلى الوصول إلى دار السلام.
قوله: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}
بخير الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره،
المتواضع لعباده ، ثم ذكر صفات المخبتين
فقال: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خوفا وتعظيما، فتركوا لذلك المحرمات لخوفهم ووجلهم من الله وحده.

{وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ}
من البأساء والضراء، وأنواع الأذى،
فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره،
{وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ} أي الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب،
وعبوديتها الظاهرة والباطنة،

{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}

وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة،
والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب،
والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها،
وأتي بـ {من} المفيدة للتبعيض، ليعلم سهولة ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في تحصيله قدرة،
لولا تيسير الله له ورزقه إياه. فيا أيها المرزوق
من فضل الله، أنفق مما رزقك الله، ينفق الله عليك، ويزدك من فضله.
الطريقة الشرعية في الهدي:

قوله: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة.
وتقدم أن الله أخبر أن من عظم شعائره فإن ذلك من تقوى القلوب،
وهنا أخبر أن من جملة شعائره، البدن،
أي: الإبل، والبقر، على أحد القولين، فتعظم وتستسمن، وتستحسن،

{لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}
أي المهدي وغيره، من الأكل،
والصدقة، والانتفاع، والثواب، والأجر،

{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا}
أي عند ذبحها قولوا: "بسم الله"، واذبحوها،

{صَوَافَّ}
أي قائمات، بأن تقام على قوائمها الأربع، ثم تعقل يدها اليسرى، ثم تنحر.

قوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي سقطت في الأرض جنوبها، حين تسلخ، ثم يسقط الجزار جنوبها على الأرض،
فحينئذ قد استعدت لأن يؤكل منها،

{فَكُلُوا مِنْهَا}
وهذا خطاب للمهدي، فيجوز له الأكل من هديه،
{وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}
أي الفقير الذي لا يسأل تقنعا وتعففا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيهما.

قوله: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} أي البدن {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
الله على تسخيرها، فإنه لولا تسخيره لها لم يكن لكم بها طاقة، ولكنه ذللها لكم وسخرها رحمة بكم وإحسانا إليكم، فاحمدوه.



الإخلاص لله في الأعمال:

قوله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} أي ليس المقصود منها ذبحها فقط. ولا ينال الله من لحومها ولا دمائها شيء، لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والاحتساب،
والنية الصالحة، ولهذا قال: {وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرا ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه.



قوله: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} أي تعظموه وتجلوه،

{عَلَى مَا هَدَاكُمْ}
أي مقابلة لهدايته إياكم، فإنه يستحق أكمل الثناء وأجل الحمد، وأعلى التعظيم،
{وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}
بعبادة الله بأن يعبدوا الله، كأنهم يرونه،
فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة فليعبدوه، معتقدين وقت عبادتهم اطلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله، بجميع وجوه الإحسان من نفع مال،
أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر،
أو كلمة طيبة ونحو ذلك، فالمحسنون لهم البشارة من الله، بسعادة الدنيا والآخرة وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده

{هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ}
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.
فهذا ما تيسر جمعه وبيانه في معنى آيات سورة الحج
التي تبين أحكام الحج وشعائره ومناسكه، والله نسأل أن يجنبنا الزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://beitananusa.ahlamontada.net
ahmad rabei
مـــــــــراقـــــــب عناني
مـــــــــراقـــــــب عناني
avatar

عدد المساهمات : 1964
النقاط : 2081
تاريخ التسجيل : 07/01/2010
نشاط العضو :
0 / 1000 / 100

الاوســـــمة : العضو المميز

مُساهمةموضوع: رد: تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج    2010-09-24, 09:17

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
e3nane
المــــديـــــر الـــــــعـــــام
المــــديـــــر الـــــــعـــــام
avatar

عدد المساهمات : 21049
النقاط : 25172
تاريخ التسجيل : 06/01/2010
العمر : 34
الموقع : شيكاغو chicago
نشاط العضو :
100 / 100100 / 100

الاوســـــمة : وســــــام التميز

مُساهمةموضوع: رد: تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج    2010-10-15, 10:24

كل الشكر والاحترام على المرور الجميل






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://beitananusa.ahlamontada.net
a7mad
عـــــنــــــانـــــــي مــــلكي
عـــــنــــــانـــــــي مــــلكي


عدد المساهمات : 2287
النقاط : 2478
تاريخ التسجيل : 28/01/2010
نشاط العضو :
0 / 1000 / 100

الاوســـــمة : عضو متميز

مُساهمةموضوع: رد: تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج    2010-10-16, 14:47

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
jimmy
عـــنـــــانــــي ذهــــبـــي
عـــنـــــانــــي ذهــــبـــي
avatar

عدد المساهمات : 1640
النقاط : 1713
تاريخ التسجيل : 22/01/2010
نشاط العضو :
0 / 1000 / 100

الاوســـــمة : عضو متميز

مُساهمةموضوع: رد: تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج    2010-10-27, 10:31





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تفسير آيات الحج من سورة البقرةوسورة الحج
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات غربة ::  المنتديات الإسلامية --Islamic forums  ::  زاوية الحج والعمرة -
انتقل الى: